يخفض توقعاته للذهب.. هل انتهى صعود المعدن النفيس أم أن التراجع فرصة جديدة للمستثمرين؟
في خطوة تعكس التحولات الأخيرة في الأسواق العالمية، خفّض بنك UBS السويسري توقعاته لأسعار الذهب خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن قوة الاقتصاد الأمريكي وتراجع احتمالات التيسير النقدي من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي فرضت ضغوطاً واضحة على المعدن النفيس.
وأوضح البنك أن توقعاته الجديدة تقل بنحو 300 إلى 900 دولار للأونصة مقارنة بالتقديرات السابقة، وذلك بعد سلسلة من البيانات الاقتصادية الأمريكية الإيجابية، وفي مقدمتها بيانات سوق العمل التي جاءت أقوى من المتوقع، ما عزز الرهانات على استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.
ويعد الذهب من أكثر الأصول حساسية تجاه أسعار الفائدة الأمريكية، إذ إن ارتفاع العوائد الحقيقية على السندات يجعل الاحتفاظ بالذهب أقل جاذبية للمستثمرين، كونه لا يدرّ عائداً مباشراً. ولهذا السبب، فإن أي إشارات إلى تأجيل خفض الفائدة أو احتمالية رفعها تؤثر سلباً على أسعار المعدن الأصفر.
وأشار محللو البنك إلى أن الأسواق بدأت تعيد تسعير توقعاتها بشأن السياسة النقدية الأمريكية، بعد أن كان المستثمرون يراهنون على دورة تيسير نقدي أسرع. إلا أن استمرار متانة الاقتصاد الأمريكي دفع تلك التوقعات إلى التراجع، مع ترجيح تأجيل خطوات الخفض الرئيسية إلى عام 2027.
تذبذب قصير الأجل
بحسب تقديرات UBS، فإن أسعار الذهب قد تشهد خلال الفترة القريبة تحركات متذبذبة ضمن نطاق يتراوح بين 3850 و4000 دولار للأونصة، في ظل هيمنة العوامل الاقتصادية التقليدية على حركة السوق، مثل قوة الدولار الأمريكي ومستويات العوائد الحقيقية.
كما لفت البنك إلى أن رد فعل الذهب المحدود تجاه التوترات الجيوسياسية الأخيرة، بما فيها التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، شجع بعض المستثمرين على جني الأرباح بعد موجات الصعود السابقة، الأمر الذي أضاف ضغوطاً إضافية على الأسعار.
لماذا لا يزال البنك متفائلاً؟
ورغم النظرة الحذرة على المدى القصير، فإن UBS ما زال يحتفظ برؤية إيجابية تجاه الذهب خلال الاثني عشر شهراً المقبلة. ويستند هذا التفاؤل إلى عدة عوامل، أبرزها احتمالية عودة الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض أسعار الفائدة مع تباطؤ النمو الاقتصادي الأمريكي مستقبلاً.
ويرى البنك أن الاقتصاد الأمريكي قد يدخل مرحلة نمو أقل من معدلاته الطبيعية، ما سيدفع صناع القرار النقدي إلى تخفيف السياسة النقدية لدعم النشاط الاقتصادي، وهو ما يمنح الذهب دفعة قوية باعتباره ملاذاً آمناً وأداة للتحوط من المخاطر.
الدولار والبنوك المركزية.. عاملان حاسمان
ومن بين العوامل التي تدعم النظرة الإيجابية للذهب، توقعات البنك بعودة الضغوط على الدولار الأمريكي نتيجة استمرار العجز المالي والتجاري الكبير في الولايات المتحدة، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على أسعار المعدن النفيس.
في الوقت نفسه، لا تزال البنوك المركزية حول العالم تشكل ركيزة أساسية للطلب على الذهب. ويتوقع UBS أن تتراوح مشتريات البنوك المركزية بين 750 و1000 طن متري سنوياً، وهي مستويات مرتفعة تعكس استمرار توجه العديد من الدول نحو تعزيز احتياطياتها بعيداً عن الدولار.
وأظهرت البيانات الأولية لشهر مايو استمرار هذا التوجه، حيث أضاف بنك الشعب الصيني نحو 10 أطنان مترية إلى احتياطياته من الذهب، فيما اشترى البنك المركزي الأوزبكي قرابة 9 أطنان مترية، في إشارة إلى استمرار الطلب الرسمي على المعدن الأصفر.
فرصة استثمارية أم إشارة تحذير؟
ويخلص البنك إلى أن أي تراجع للذهب نحو مستويات 3850 – 4000 دولار للأونصة لا ينبغي النظر إليه كإشارة سلبية تدفع المستثمرين إلى التخارج من السوق، بل قد يمثل فرصة لإعادة بناء المراكز الاستثمارية وزيادة الحيازات استعداداً لموجة صعود جديدة على المدى المتوسط والطويل.
وبينما تظل أسعار الذهب رهينة التطورات الاقتصادية الأمريكية وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، فإن الطلب المستمر من البنوك المركزية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالنمو العالمي ومستقبل الدولار، يبقيان المعدن النفيس في دائرة اهتمام المستثمرين كأحد أهم أدوات التحوط وحفظ القيمة.