العراق يعيد رسم خريطة الطاقة: استثمارات أمريكية ومشاريع أنابيب لكسر الاختناقات الإقليمية
تقرير _اصوات برس 🇮🇶ASP
بغداد – تتجه الحكومة العراقية إلى إعادة تشكيل قطاع الطاقة عبر استراتيجية جديدة تقوم على جذب الاستثمارات الأمريكية، وتنويع منافذ تصدير النفط، وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الاقتصاد الوطني وتحصينه من تداعيات الصراعات الإقليمية.
الاتفاقيات الرسمية ونقطة الانطلاق
في 4 يوليو/تموز 2026، وافق مجلس الوزراء العراقي على توقيع شركة نفط البصرة الحكومية اتفاقية مبادئ واتفاقية سرية وعدم إفشاء معلومات مع ائتلاف دولي يضم شركتي "كابيتال تي آي" و"شيفرون" الأمريكيتين، إلى جانب شركة "يو سي سي" القطرية، بهدف دراسة عدد من مشروعات خطوط أنابيب تصدير النفط.
تهدف هذه الاتفاقيات إلى تمكين الائتلاف من إعداد دراسات الجدوى الفنية والمالية، ومقارنة المسارات المقترحة، وذلك يشمل مسارين رئيسيين قيد الدراسة:
خط البصرة–حديثة–كركوك–جيهان
خط البصرة–حديثة–بانياس
كما منحت بغداد في وقت سابق شركة نفط البصرة موافقة للتعاقد مع شركة الهندسة الأمريكية "كيه بي آر" (ومقرها هيوستن) لتقديم المشورة الفنية بشأن هذه المشاريع.
شبكة الأنابيب المقترحة
تسعى بغداد إلى تنفيذ شبكة أنابيب استراتيجية تربط حقول البصرة بمدينة حديثة، مع امتدادات نحو منافذ تصدير متعددة:
1. مسار جيهان (تركيا): يقوم على إعادة تأهيل خط الأنابيب القائم والمتوقف عن العمل غالبًا، الممتد من كركوك إلى ميناء جيهان التركي على المتوسط. ورغم أن هذا الخط عانى لسنوات من التوترات السياسية بين أنقرة وبغداد، فإن الطلب العالمي المتجدد يعيد دفعه إلى الواجهة كمورد أساسي.
2. مسار بانياس (سوريا): يحمل هذا المشروع خلفية تاريخية لافتة، إذ يعود أصل الخط إلى عام 1952 حين أنشأته شركة نفط العراق بطاقة نقل بلغت نحو 300 ألف برميل يوميًا، رابطًا كركوك بميناء بانياس السوري. أوقفت بغداد تشغيله في ثمانينيات القرن الماضي بعد اصطفاف سوريا مع إيران خلال الحرب العراقية-الإيرانية، ثم تعرض لأضرار جسيمة عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ليصبح خارج الخدمة شبه كليًا. وتواجه إعادة تشغيله تحديات تقنية كبيرة تشمل الحاجة إلى خزانات تخزين جديدة ومضخات وأنظمة كهربائية حديثة. وبحسب مسؤولين عراقيين وإقليميين، تستعد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للإعلان عن اتفاق لإحياء هذا الخط، بالتزامن مع زيارة متوقعة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن.
3. مسار العقبة (الأردن): يربط البصرة بمدينة حديثة في غرب العراق مع وصلة فرعية تمتد إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، بطاقة تصدير مقدرة بين 1 إلى 2.5 مليون برميل يوميًا.
السياق الاستراتيجي: تجاوز مضيق هرمز
يندرج هذا التحرك ضمن سياق إقليمي أوسع يتصل بالبحث عن بدائل طويلة الأمد لمضيق هرمز. فقد سلّط تصاعد التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط الضوء على هذه الحاجة، بعدما ظل المضيق مغلقًا خلال جزء كبير من الحرب الأخيرة، متسببًا في أحد أكبر الاضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية وأضرارًا بالغة باقتصادات المنطقة. وتبحث دول عدة، من بينها العراق والكويت، خيارات مماثلة لتقليل اعتمادها على هذا الممر الحيوي.
كما تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة رفعت خلال العام الماضي قيودًا إضافية عن سوريا، ما فتح الباب أمام شركات مثل "شيفرون" و"توتال إنرجيز" و"كونوكو فيليبس" لبدء مفاوضات بشأن التنقيب عن النفط هناك — وهو ما يعزز الأساس السياسي لمشروع خط بانياس.
أبعاد أخرى في استراتيجية الطاقة
بموازاة ملف الأنابيب، تعمل الحكومة العراقية على:
زيادة إنتاج النفط والغاز واستثمار الحقول غير المطورة
التوسع في مشاريع إنتاج الكهرباء وتطوير شبكة النقل لتقليل الاعتماد على واردات الطاقة
جذب مزيد من الشركات العالمية عبر حملة إصلاحات وإجراءات لتحسين بيئة الاستثمار ومكافحة الفساد
التقييم والتحديات
يرى مراقبون أن نجاح هذه الخطط قد يمنح العراق فرصة لتعزيز مكانته كمركز إقليمي للطاقة، غير أن عدة عوامل قد تؤثر في سرعة التنفيذ:
التحديات الأمنية والسياسية الداخلية
استمرار التنافس الأمريكي-الإيراني على الساحة العراقية
التعقيدات التقنية الكبيرة لإعادة تأهيل خطوط قديمة ومتضررة (خصوصًا خط بانياس)
الحاجة إلى استقرار سياسي في سوريا لضمان استمرارية مسار بانياس