حزب القاعدين الجدد، وذريعة نهج زيد الشهيد
بقلم _ د.علي المؤمن
في كل المنعطفات التاريخية التي يعيشها الواقع الشيعي، تظهر أصوات من داخل هذا الواقع، تدعم جهود العدو في تقويض عناصر قوة الشيعة وأسباب نهوضهم.
وتمارس هذه الأصوات اليوم الدور نفسه، حيث تساهم في محاربة النهضة الشيعية العالمية القائمة ومكتسباتها ومراجعها وفقهائها وقادتها وشهدائها، خلافاً لنهج مرجعية الشيعة، في النجف وقم، وفقهائها وحوزتها، في وقت تعيش النهضة أوج حروبها الدفاعية الدامية ضد أعتى قوى الشر الصهيونية والصليبية والوهابية.
هذه الأصوات، بالرغم من قلتها وافتقارها إلى الامتدادات الحوزوية والاجتماعية الحقيقية، تصول وتجول اليوم في حواضر النهوض الشيعي، لتزدري الرموز المرجعية النهضوية، وتسفه فقههم ونهجهم، وتتهم محاور النهضة الشيعية بأنها بنهوضها وبدفاعها عن الواقع الشيعي، إنما تخالف مدرسة آل البيت، برغم ردود فقهاء النجف وقم عليها، ونصائحهم لها.
والأنكى أن بعض هذه الأصوات تعلن بأن الحرب التي تشنها أمريكا وإسرائيل والسعودية ضد المحور الشيعي، هي حرب الباطل ضد الباطل، بل لعل محور الشر معذور وصاحب حق في بعض سلوكياته، كما تقول.
هذه الأصوات، تقوم اليوم بخلق فتن مجتمعية، ومعارك إعلامية تسقيطية بين الشيعة، وتحديداً داخل الحوزة، وإشغال الشيعة عن الحرب التي يقودها ضدهم محور الشر، وهي بذلك، علمت أم لم تعلم، تصطف مع الأبواق المعادية للشيعة، وتتجرأ وتستثمر منابر أهل البيت، وتصرخ نهاراً جهاراً، دون رادع من عقل ودين.
منذ أن بدأ الإمام الخميني نهضته التأسيسية في مطلع ستينيات القرن الماضي في إيران، ثم ظهور مؤشرات نهضتي السيد محمد باقر الصدر في العراق، والسيد موسى الصدر في لبنان في الفترة نفسها، برز تيار ديني في قم ومشهد والنجف وجبل عامل، يقف في مواجهة تيار الاستنهاض الشيعي.
يعتمد هذا التيار خطاب القعود والانتظار، والاستسلام للواقع، ورفض أي تحرك ضد الاستبداد والظلم، وأي محاولة لمواجهة التمييز الطائفي والعداء للدين والمذهب.
ويسوّغ هذا التيار موقفه بوجود روايات عن أئمة أهل البيت تمنع أي مواجهة أو نهوض أو ثورة ضد الظلم والاستبداد في عصر غيبة الإمام المهدي، وأي محاولة لإقامة دولة إسلامية في هذه الفترة. غير أن تأثير هذا التيار بدأ يتلاشى تدريجياً مع الإنجازات النوعية الواسعة التي حققتها نهضة الإمام الخميني بعد عام 1979، إلى جانب نهضتي السيد موسى الصدر والسيد محمد باقر الصدر.
ومع أفول نجم التيار التقليدي المذكور، ظهر تيار مشابه جديد بعد عام 2003، لكنه هذه المرة يطرح مسوّغات محدّثة لنظرية القعود، يتهم من خلالها مراجع النهوض والمقاومة في إيران والعراق، والحركات المنتمية إليهم في بلدان الحضور الشيعي، بأنهم يسيرون على نهج زيد الشهيد، لا على نهج الإمام الصادق؛ بحجة أن زيداً ثار ضد الظلم والاستبداد الأموي، بينما لم يفعل الإمام الصادق ذلك، واتجه إلى النهضة العلمية حصراً.
هذا الخطاب المحدَّث ينطوي على تزوير لحقيقة مدرسة أهل البيت وتدليس عليها، يروّج له القاعدون الانعزاليون، ويشجع عليه السنّة الطائفيون والمستكبرون الغربيون، للإبقاء على الشيعي مهمشاً، معزولاً، ضعيفاً، ذليلاً ومقهوراً، في حين يبقى الطائفي السنّي حاكماً، مُنعّماً، مكرماً، قاهراً ومستبداً، ويبقى المستكبر الغربي يصول ويجول في بلاد المسلمين، ينهب ويسلب ويقتل ويعتدي دون رادع.
والحقيقة أن الفقه السياسي المعاصر لمدرسة الإمامة الاثني عشرية، لا يتضمّن شيئاً اسمه (نهج زيد الشهيد)، ولا علاقة لحراكات النهضة الشيعية المعاصرة بهذا النهج. وما يقوله المُدلِّسون ليس إلّا افتراءً على الأئمة، ثم على المراجع النهضويين، بمن فيهم المعاصرون، من الميرزا الشيرازي، والآخوند الخراساني، والبهبهاني الغريفي، والحبوبي، وتقي الشيرازي، والنائيني، والإصفهاني، وحتى الحكيم، والخميني، والصدر الأول، والصدر الثاني، والسيستاني، والخامنئي.
القاعدون الانعزاليون يروّجون أن هؤلاء ساروا على نهج زيد الشهيد، لأنهم ثاروا ونهضوا، ولم يسيروا _ بحسب زعمهم _ على نهج الباقر والصادق والكاظم.
والحال أن مراجع الشيعة يتبعون نهج الرسول والأئمة الاثني عشر دون سواهم. ولكلٍّ منهم واقعه وظرفه وزمانه ومكانه واجتهاده، كما كان عليه حال الرسول والأئمة، الذين عاشوا أزمنة متغيّرة وظروف مختلفة؛ من رسول الله وعلي، إلى الحسن، إلى الحسين، إلى السجاد والباقر والصادق والكاظم، إلى الرضا، فالجواد والهادي والعسكري. كلٌّ منهم تعامل مع واقعه وظرفه الخاص. فهم نهج واحدثابت، وظروف متغيرة.
وصولاً إلى الإمام المهدي، الذي سيتصرّف وفق ظروفه الزمانية والمكانية، بما يتيح له أن يجمع بين جميع متغيّرات النهج الواحد للرسول والأئمة، والمتلخّص في نهضة شاملة: دينية، سياسية، ثورية، عسكرية، علمية، اقتصادية، معيشية وعمرانية.